الياس شوفاني
107
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
والبرز في الشمال . فبعد إخضاع ليديا وبابل ، توجه كورش شرقا إلى الهند . وابنه قمبيز احتل مصر ، سنة 525 ق . م . وداريوس حاول دخول أوروبا ، لكنه صدّ على أيدي تحالف اليونان بقيادة أثينا . وبعد معركة سلاميس ( 480 ق . م . ) ، ولمدة 150 عاما ، ظل الفرس في موقع الدفاع إزاء اليونان ، إلى أن قضى الإسكندر على إمبراطوريتهم وورثها ، سنة 330 ق . م . لقد كرس كورش جل اهتمامه للاحتلال ، ولم يلتفت كثيرا لتنظيم الإمبراطورية وإدارتها . وبموته اندلعت سلسلة من الثورات ، قمعها ابنه قمبيز ، وغزا مصر . وفي غيابه ، نشبت ثورات في المشرق ، فعاد ليخمدها ، لكنه مات في الطريق . وعقبت ذلك فترة من الاضطرابات لم تهدأ حتى تسلم داريوس السلطة . وهو يعتبر بحق باني الإمبراطورية ، ومؤسس السلالة الأخيمينية . فبعد أن كرس نفسه حاكما مطلقا بإراد إلهية ، كونه ممثلا للإله الفارسي الأعظم ، أهورامازدا ، عمد إلى تنظيم الإمبراطورية ، فقسمها إلى 20 ولاية ( سترابا ) ، وأدخل تجديدات في الإدارة . ووحد الضرائب والمقاييس والأوزان والنقد ، كما نظم أمور الجيش والبلاط . وكما يليق ب « ملك الملوك » ( شاهنشاه ) ، كما لقب نفسه ، بنى داريوش بلاطا فخما في كل من إقبطانا وسوسة وبيرسيبولس ، حيث الآثار الفخمة فيها تشهد على عظمته . مات داريوس والحرب مع اليونان مشتعلة . فبدخوله إلى بلادهم اضطرهم إلى التوحد تحت راية أثينا . وبسعيه للسيطرة على تجارة بحر إيجة استثار شعوب جزره . ولكن خلفاءه لم يستطيعوا حسم الصراع لمصلحتهم . بل على العكس ، بدأوا يتراجعون ، وفي سنة 479 ق . م . ، وبعد معركة سلاميس البحرية ، طرد الفرس من بلاد اليونان كلها . وراح هؤلاء يزيدون في ضغطهم على حدود الإمبراطورية الغربية في آسيا الصغرى . وخلال 150 عاما ، بقي الصراع محتدما ، إلى أن حسمه الإسكندر الكبير ، وورث هو بدوره أراضي إمبراطورية كورش . وبذلك دخلت المنطقة عصرا جديدا هو العصر الهلّيني . لقد رهن داريوس كبرياء إمبراطوريته بالتغلب على اليونان وإخضاعهم لسلطانه . ولعله رأى الخطر الكامن هناك مبكرا ، فسعى لتداركه قبل فوات الأوان . ومن أجل ذلك بنى آلة عسكرية ضخمة ، ونظمها جيدا ، وأعطى قادتها ورجالها امتيازات كبيرة ، وربطها بشخصه ، فأصبحت بولائها المطلق له ركيزة قوته الأساسية . وجنبا إلى جنب مع تنظيم أمور الدولة الإدارية ، تابع داريوس سياسة كورش المعتدلة إزاء الشعوب المغلوبة والخاضعة ، بإعطائها حرية ممارسة عباداتها وطقوسها الدينية ، وتطوير تراثها الحضاري الخاص . ولعل ذلك يعود إلى التراث الزرادشتي ، المعروف بسماحته